صفي الرحمان مباركفوري

176

الرحيق المختوم

إعلان عزيمة الصد عن المسجد الحرام ثم إن سعد بن معاذ انطلق إلى مكة معتمرا ، فنزل على أمية بن خلف بمكة ، فقال لأمية : انظر لي ساعة خلوة لعلي أن أطوف بالبيت ، فخرج به قريبا من لقف النهار ، فلقيهما أبو جهل فقال : يا أبا صفوان ، من هذا معك ؟ فقال : هذا سعد ، فقال له أبو جهل : ألا أراك تطوف بمكة آمنا وقد آويتم الصباة ، وزعمتم أنكم تنصرونهم ، وتعينونهم ، أما واللّه لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالما ، فقال له سعد ورفع صوته عليه : أما واللّه لئن منعتني هذا لأمنعك ما هو أشد عليك منه ، طريقك على أهل المدينة « 1 » . قريش تهدد المهاجرين ثم إن قريشا أرسلت إلى المسلمين تقول لهم : لا يغرنكم أنكم أفلتمونا إلى يثرب ، سنأتيكم فنستأصلكم ونبيد خضراءكم في عقر داركم « 2 » . ولم يكن هذا كله وعيدا مجردا ، فقد تأكد عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من مكيد قريش وإرادتها على الشر ما كان لأجله لا يبيت إلا ساهرا ، أو في حرس من الصحابة ، فقد روى مسلم في صحيحه عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها قالت : سهر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مقدمة المدينة ليلة ، فقال : ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة ، قالت : فبينما نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح ، فقال : من هذا ؟ قال : سعد بن أبي وقاص ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ما جاء بك ؟ فقال : وقع في نفسي خوف على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فجئت أحرسه ، فدعا له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ثم نام « 3 » . ولم تكن هذه الحراسة مختصة ببعض الليالي بل كان ذلك أمرا مستمرا ، فقد روي عن عائشة قالت : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يحرس ليلا ، حتى نزل : وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ، فأخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رأسه من القبة ، فقال : « يا أيها الناس انصرفوا عني فقد عصمني اللّه عز وجل « 4 » » . ولم يكن الخطر مقتصرا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، بل على المسلمين كافة ، فقد روى

--> ( 1 ) صحيح البخاري ، كتاب المغازي 2 / 563 . ( 2 ) رحمة للعالمين 1 / 116 . ( 3 ) مسلم باب فضل سعد بن أبي وقاص 2 / 280 واللفظ له ، وصحيح البخاري - باب الحراسة في الغزو في سبيل اللّه 1 / 404 . ( 4 ) جامع الترمذي أبواب التفسير 2 / 130 .